(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الآية.
الرسالة: باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخاً في كل حال ، فيُمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ، ويتصدق بما شاء - ثم ذكر ما ورد سابقاً في الأم - وقد علق محقق كتاب الرسالة قائلاً:
وهكذا تردد الشَّافِعِي في قوله في هذا كما ترى ، فمرة يذهب إلى النسخ.
ومرة يذهب إلى أن النهي اختيار لا فرض ، ومرة يذهب إلى أن النهي لمعنى فإذا وُجدَ ثبت النهي.
والذي أراه راجحاً عندي - للعلامة: أحمد محمد شاكر -: أن النهي عن
الادخار بعد ثلاث إنما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل تصرف الإمام والحاكم ، فيما ينظر فيه لمصلحة الناس ، وليس على سبيل التشريع في الأمر العام ، بل يؤخذ منه أن للحاكم أن يأمر وينهى في مثل هذا ، ويكون أمره واجب الطاعة ، لا يسع أحداً مخالفته.
وآية ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أخبروه عما نابهم من المشقة في هذا سألهم:
وما ذاك ؟ فلما أخبروه عن نهيه ، أبان لهم عن علته وسببه ، فلو كان هذا النهي تشريعاً عامًّا لذكر لهم أنه كان ثم نسخ ، أما وقد أبان لهم عن العلة في النهي فإنه قصد إلى تعليمهم ، أن مثل هذا يدور مع المصلحة التي يراها الإمام ، وأن طاعته
فيه واجبة ، ومن هذا نعلم أن الأمر فيه على الفرض لا على الاختيار ، وإنما هو فرض محدد بوقت أو بمعنىً خاص ، لا يُتجاوز به ما يراه الإمام من المصلحة . ..
ويختتم كلامه فائلاً: وهذا معنى دقيق بديع ، يحتاج إلى تأمُّلٍ ، وبُعدِ نظر.
وسَعَة اطلاع على الكتاب والسنة ومعانيهما ، وتطبيقه في كثير من المسائل
عسير ، إلا على من هدى الله.
قال الله عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(29)