وتسميته ذا القرنين على أنه الإسكندر المقدونى أو أبو كرب اليمنى، لأنه بلغ ناصيتى مشرق الشمس ومغربها، مأخوذ منْ قَرْنِ الشمس بمعنى ناحيتها وقيل: كانت له ضفيرتان من شعر فنسب إليهما - ذكره الثعلبى وغيره - والضفائر قرون الرأس عند العرب , والوجه الأول في علة التسمية أولى بالقبول، فإن وَصْفَ ذي القرنين ذكر على أنه علامة مميزة لهذا الفاتح العظيم، وكونه ذا ضفيرتين من الشعر لا يصلح أن يكون علامة مميزة، لأن إرسال الشعر وتضفيره من العادات القديمة للرجال والنساء جميعًا.
وبعد أن حكينا أظهر الأقوال في شخصيته نقول: إن شخصيته ليست من العقائد، وإِنما ذكرت قصته للوعظ والإرشاد فليكن هو الإسكندر المقدونى أو رجلا حميريًّا من اليمن، أو ملكًا فارسيًا فالقرآن لم يأتنا ليعلمنا تاريخ اليونان أو تاريخ أي الحميريين أو الفارسيين فإن القرآن أعظم من ذلك كله، ولكنهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، أجابهم بما يجمع بين إجمال المطلوب لهم، والدلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم والعبرة، حيث أَخبرهم بما لا يعلمه سوى أَهل الكتاب، وبين أن الملك الصالح العالم يؤيده الله تعالى ويُمَكِّنُ له في أَرضه.
والمعنى الإجمالى: ويسألك السائلون من قريش بتحريض اليهود، أو اليهود أنفسهم يسألونك عن صاحب القرنين الذي جَاب الأرضَ كلها، قل أيها الرسول مجيبا لهم: سأقرأ عليكم من قصته نبأً مذكورًا، أَقرؤُه على سبيل التلاوة من وحى الله تعالى الذي أوحاه إليَّ جلّ وعلا.
84، 85 - {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} :