وأيُّ شرف بعد هذا الشرف ، إن الحق تبارك وتعالى يتولّى التأريخ لهذا الرجل ، ويُؤرّخ له في قرآنه الكريم الذي يُتلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة والذي يُتحدّى به ، ليظل ذِكْره باقياً بقاء القرآن ، خالداً بخلوده ، يظل أثره فيما عمل أُسْوة وقُدْوة لمن يعمل مثله . إنْ دَلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن العمل الصالح مذكور عند الله قبل أنْ يُذكَرَ عند الخلق .
فأيُّ ذكْر أبقى من ذكر الله لخبر ذي القرنين وتاريخه؟
و {مِّنْهُ} أي: بعضاً من ذِكْره وتاريخه ، لا تاريخه كله .
وكلمة (ذِكْر) وردت في القرآن الكريم بمعان متعددة ، تلتقي جميعها في الشرف والرفعة ، وفي التذكُّر والاعتبار . وإنْ كانت إذا أُطلقتْ تنصرف انصرافاً أولياً إلى القرآن ، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وبعد ذلك تُستعمل في أيّ كتاب أنزله الله تعالى من الكتب السابقة ، كما جاء في قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]
وقد يُطلَق الذكر على ما يتبع هذا من الصِّيت والشرف والرفعة وتخليد الاسم ، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ . .} [الأنبياء: 10]
وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ . .} [الزخرف: 44]
أي: صيت حَسَن وشرف ورفْعة كون القرآن يذكر هذا الاسم ؛ لأن الاسم إذا ذُكِر في القرآن ذاعَ صِيتُه ودَوَّى الآفاق .
وقلنا في قصة زيد بن حارثة أنه كان عبداً بعد أنْ خُطِف من قومه وَبيع في مكة لخديجة رضي الله عنها ، ثم وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك أطلقوا عليه زيد بن محمد ، فلما عَلِم أهله بوجوده في مكة أتى أبوه وعمه ، وكلّموا رسول الله في شأن زيد فقال: خَيِّروه .