وكذلك لما ضرب الله مثلاً للذين آمنوا قال: {أمرأت فِرْعَوْنَ . .} [التحريم: 11]
ففرعون الذي أضَلَّ الناس وادَّعى الألوهية زوجته مؤمنة ، وكأن الحق سبحانه يُلمِّح للناس جميعاً أن رأيك في الدين وفي العقائد رَأْي ذاتي ، لا يتأثر بأحد أيّاً كان ، لا في الهداية بنبي ، ولا في الغواية بأضلِّ الضالين الذي ادعى الألوهية .
وهكذا يحفظ الإسلام للمرأة دورها وطاقتها ويحترم رأيها .
إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى بهذه القصة غير مُشخّصة لتكون نموذجاً وأُسْوة يحتذي بها كل أحد ، وإلاَّ لو شخصتْ لارتبطتْ بهذا الشخص دون غيره ، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن مريم فنراه يحددها باسمها ، بل واسم أبيها ؛ ذلك لأن ما سيحدث لمريم مسألة خاصة بها ، ولن تحدث بعدها أبداً في بنات آدم ، لذلك عيَّنها وشخَّصها ؛ لأن التشخيص ضروري في مثل هذا الموقف .
أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص ، فهذا يعني أنها صالحة لأنْ تتكرر في أيّ زمان أو في أيّ مكان ، كما رأينا في قصة أهل الكهف ، وكيف أن الحق سبحانه أبهمهم أسماءً ، وأبهمهم مكاناً وأبهمهم زماناً ، وأبهمهم عدداً ، ليكونوا أُسْوة وقُدْوة للفتيان المؤمنين في أيِّ زمان ، وفي أيِّ مكان ، وبأيِّ عدد .
وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين . .} [الكهف: 83] نلاحظ أن مادة السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن أخذتْ حيِّزاً كبيراً فيه ، فقد ورد السؤال للنبي من القوم ست عشرة مرة ، إحداها بصيغة الماضي في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ . .} [البقرة: 186]
وخمس عشرة مرة بصيغة المضارع ، كما في: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة . .} [البقرة: 189]