ويظهر أن هذه العين من عيون النفْط الواقعة على ساحل بحر الخزر حيث مدينة (باكو) ، وفيها منابع النفط الآن ولم يكن معروفاً يومئذ.
والمؤرخون المسلمون يسمونها البلاد المنتنة.
وتنكير قَوْماً يؤذن بأنهم أمّة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم وسيرتهم.
فجملة {قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ} استئناف بياني لما أشعر به تنكير {قَوْماً} من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين.
وقد دل قوله: {إمَّا أن تُعَذّبَ وإمَّا أن تَتَّخِذَ فِيهمْ حُسْناً} على أنهم مستحقون للعذاب ، فدلّ على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل.
وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام ، أي ألقينا في نفسه تردداً بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل ، ويكون قوله {قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ} ، أي قال في نفسه معتمداً على حالة وسط بين صورتي التردد.
وقيل: إن ذا القرنين كان نبيئاً يوحى عليه فيكون القول كلاماً موحىً به إليه يخيّره فيه بين الأمرين ، مثل التخيير الذي في قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] ، ويكون قوله: {قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ} جواباً منه إلى ربّه.
وقد أراد الله إظهار سداد اجتهاده كقوله: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] .
و {حُسْناً} مصدر.
وعدل عن (أن تحسن إليهم) إلى {أن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسناً} مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتّخذ فيهم نفس الحُسن ، مثل قوله تعالى: {وقولوا للناس حسناً} [البقرة: 83] .
وفي هذه المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما.
والظلم: الشرك ، بقرينة قسيمه في قوله {وأما من آمن وعمل صالحاً} .
واجتلاب حرف الاستقبال في قوله: {فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ} يشير إلى أنه سيدعوه إلى الإيمان فإن أصرّ على الكفر يعذبه.
وقد صرح بهذا المفهوم في قوله {وأمَّا مَن ءَامَنَ وعَمِلَ صالحا} أي آمن بعد كفره.