والأكثر على أن معنى"وراء"هنا أمام ؛ يَعضُده قراءة ابن عباس وابن جبير"وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْباً".
قال ابن عطية:"وراءهم"هو عندي على بابه ؛ وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعى بها الزمان ، وذلك أن الحدث المقدّم الموجود هو الأمام ، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف ، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي ، وتأمّل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك ؛ ومن قرأ"أمامهم"أراد في المكان ، أي كأنهم يسيرون إلى بلد ، وقوله عليه الصلاة والسلام:"الصلاة أمامك"يريد في المكان ، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان ؛ وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ ؛ ووقع لقتادة في كتاب الطبري"وكان وراءهم ملك"قال قتادة: أمامهم ألا تراه يقول:"مِن ورائِهِم جهنم"وهي بين أيديهم ؛ وهذا القول غير مستقيم ، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضجّ منها ؛ قاله الزجاج.
قلت: وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة ؛ قال الهَرويّ قال ابن عرفة: يقول القائل كيف قال"من ورائه"وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد وأبو عليّ قُطْرُب أن هذا من الأضداد ، وأن وراء في معنى قدام ، وهذا غير محصّل ؛ لأن أمام ضد وراء ، وإنما يصلح هذا (في الأماكن) والأوقات ، كقولك للرجل إذا وعد وعداً في رجب لرمضان ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه ، لأنه يخلفه إلى وقت وعده ؛ وأشار إلى هذا القول أيضاً القشيري وقال: إنما يقال هذا في الأوقات ، ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك ؛ قال الفراء: وجوزه غيره ؛ والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك ، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عَيَّب السفينة ؛ وذكره الزجاج.