والبغال جمع بغل وهو مركب من الفرس والحمار، ويقال أول من استنتجتها قارون، وله صبر الحمار وقوة الفرس، وهو مركب الملوك في أسفارهم، ومعبرة الصعاليك في قضاء أوطارهم، وعن عليِّ بن أبي طالب - - رضي الله عنه -: أنَّ البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام - فدعا عليها فقطع الله نسلها، وهذه الرواية تستدعي أن يكون استنتاجها قبل قارون؛ لأن إبراهيم مقدم على موسى بأزمنة كثيرة، وإذا بخر البيت بحافر البغل الذكر .. هرب منه الفأر وسائر الهوام، كما في"حياة الحيوان"، وكان له - صلى الله عليه وسلم - بغال ست، والحمير جمع حمار، وكان له - صلى الله عليه وسلم - من الحمر اثنان: يعفور وعفير، والعفرة الغبرة، والحمار من أذل خلق الله تعالى كما قال الشاعر:
وَلاَ يُقِيْمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إلا الأذَلَّانِ عِيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوْطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثِى لَهُ أَحَدُ
ثم علل سبحانه وتعالى خلق هذه الثلاثة الأنواع بقوله: {لِتَرْكَبُوهَا} وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها؛ لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم، كالتحميل عليها، وعطف {زينة} على محل {لِتَرْكَبُوهَا} لأنه في محل نصب على أنه علةٌ لخلقها، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق {لِتَرْكَبُوهَا} لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن، وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات.
فصلٌ في ذكر الاختلاف في لحوم الخيل