وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي سُجُودَ الْجِسْمِ، وَسُجُودُهُ انْقِيَادُهُ وَمَا يُرَى فِيهِ مِنْ أَثَرِ الصَّنْعَةِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ جسم.
ومعنى (وَهُمْ داخِرُونَ) أَيْ خَاضِعُونَ صَاغِرُونَ.
وَالدُّخُورُ: الصَّغَارُ والذل.
وَوَحَّدَ الْيَمِينَ فِي قَوْلِهِ: (عَنِ الْيَمِينِ) وَجَمَعَ الشِّمَالَ، لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا الجمع.
ولو قال: عن الإيمان والشمائل، واليمين والشمال، أو اليمين وَالشِّمَالِ لَجَازَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى لِلْكَثْرَةِ.
وَأَيْضًا فَمِنْ شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء وَاحِدٍ أَنْ تَجْمَعَ إِحْدَاهُمَا وَتُفْرِدَ الْأُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ) وكقوله تعالى: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) وَلَوْ قَالَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ وَإِلَى الْأَنْوَارِ لَجَازَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى لَفْظٍ (مَا) وَالشِّمَالَ على معناه.
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْكَلَامِ كَثِيرٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذُرَا سَبَإٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الْجَوَامِيسِ
وَلَمْ يَقُلْ جُلُودُ.
وَقِيلَ: وحد اليمين لام الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ وَأَنْتَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْقِبْلَةِ انْبَسَطَ الظِّلُّ عَنِ الْيَمِينِ ثُمَّ فِي حَالٍ يَمِيلُ إِلَى جِهَةِ الشِّمَالِ ثُمَّ حَالَاتٍ، فَسَمَّاهَا شمائل.
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(49) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ.
(وَالْمَلائِكَةُ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ لاختصاصهم
بِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ، فَمَيَّزَهُمْ مِنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا، كَقَوْلِهِ: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) .