قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَيُسْأَلُ بِ (مَنْ) عَنِ الْبَارِئِ تَعَالَى وَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِ (مَا) ، لِأَنَّ (مَا) إِنَّمَا يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الْأَجْنَاسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِذِي جِنْسٍ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ مُوسَى عَلَيْهِ السلام حين قال له: (فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى) وَلَمْ يُجِبْ حِينَ قَالَ لَهُ: (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) إِلَّا بِجَوَابِ (مَنْ) وَأَضْرَبَ عَنْ جَوَابِ (مَا) حِينَ كَانَ السُّؤَالُ فَاسِدًا.
وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى خَلْقِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ كَانَ بِالْعِبَادَةِ أَحَقُّ مِمَّنْ هُوَ مَخْلُوقٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) .
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)
(أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) أَيْ هُمْ أَمْوَاتٌ، يَعْنِي الْأَصْنَامَ، لَا أَرْوَاحَ فِيهَا وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ، أَيْ هِيَ جَمَادَاتٌ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهَا وَأَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهَا بِالْحَيَاةِ.
(وَما يَشْعُرُونَ) يَعْنِي الْأَصْنَامَ.
(أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)
وَالْمَعْنَى: لَا يَدْرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ.
وَعَبَّرَ عَنْهَا كَمَا عَبَّرَ عَنِ الْآدَمِيِّينَ، لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَعْقِلُ عَنْهُمْ وَتَعْلَمُ وَتَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَرَى خِطَابُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْأَصْنَامَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَا أَرْوَاحٌ فَتَتَبَرَّأُ مِنْ عِبَادَتِهِمْ، وَهِيَ فِي الدُّنْيَا جَمَادٌ لَا تَعْلَمُ مَتَى تُبْعَثُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، تُبْعَثُ الْأَصْنَامُ وَتُرَكَّبُ فِيهَا الْأَرْوَاحُ وَمَعَهَا شَيَاطِينُهَا فَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ عَبَدَتِهَا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالشَّيَاطِينِ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْأَصْنَامَ تُطْرَحُ فِي النَّارِ مَعَ عَبَدَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، دَلِيلُهُ (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) .