أحدها: على المجازاة؛ كقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على المجازاة.
والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) ؛ سمّاهنّ مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن، بقوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) ؛ فإنما يمتحنَّ؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك.
وأصله: أن اللَّه جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأمَّا القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك بفضله ومنه.
قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...(116)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف سماهم مفترين على اللَّه بتسميتهم الحرام حلالًا، والحلال حرامًا؟
قيل: لأن التحليل والتحريم، والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئًا أحله اللَّه، أو أحلوا شيئا حرمه اللَّه - فكأنهم على اللَّه افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى اللَّه - تعالى - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على اللَّه؛ لأن من أحل شيئا حرمه اللَّه، أو حرم شيئًا أحفه اللَّه - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ إنما يصير آثمًا مجرمًا، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي.
قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ)
يخرج على وجهين:
أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه) ، أي: على الذين فسقوا فيه؛ حيث قال: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) .