(وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) خِطَابٌ الحاضرين وَقَوْلُهُ: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) خِطَابٌ لِلْغَائِبِينَ فَمَا السَّبَبُ فِيهِ؟
قُلْنَا: إِنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُكْثِرُ أَسْفَارَهَا لِطَلَبِ الْمَالِ، وَمَنْ كَثُرَتْ أَسْفَارُهُ كَانَ عِلْمُهُ بِالْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ بِالنُّجُومِ أَكْثَرَ وَأَتَمَّ فَقَوْلُهُ: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) إِشَارَةٌ إِلَى قُرَيْشٍ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ(17)
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) الْأَصْنَامُ، وَأَنَّهَا جَمَادَاتٌ فَلَا يَلِيقُ بِهَا لَفْظَةُ «مَنْ» لِأَنَّهَا لِأُولِي الْعِلْمِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ مِنْ وجوه:
الوجه الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا سَمَّوْهَا آلِهَةً وَعَبَدُوهَا، لَا جَرَمَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى أُولِي الْعِلْمِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَى أَثَرِهِ: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) .
وَالوجه الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنَّ السَّبَبَ فِيهِ الْمُشَاكَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ.
وَالوجه الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَخْلُقُ لَيْسَ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ كَقَوْلِهِ: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) يَعْنِي أَنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَهَا حَالُهُمْ مُنْحَطَّةٌ عَنْ حَالِ مَنْ لَهُمْ أَرْجُلٌ وَأَيْدٍ وَآذَانٌ وَقُلُوبٌ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَحْيَاءٌ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُمْ عِبَادَتُهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّتْ لَهُمْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ لَصَحَّ أَنْ يُعْبَدُوا.