قال أبو السعود: وليس المراد مجرد نفي حضوره عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعهم ومكرهم فقط ، بل سائر المشاهد أيضاً . وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع القصة ، وأخفى أحوالها ، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لكن المراد إلزام المكذبين . والمعنى: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ؛ إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك ، إذ عدم سماعك ذلك من الغير ، وعدم مطالعتك للكتب أمر لا يشك فيه المكذبون أيضاً ، ولم تكن بين ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه كما هو ، فتبلغه إليهم . وفيه تهكم بالكفار ، فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم . وفيه أيضاً إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع . وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه . يعني: أن مثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور والمشاهدة ، وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي . ومثله قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عِمْرَان: من الآية 44] . وقوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص: من الآية 44] . انتهى .
وقوله تعالى:
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ} يريد به العموم ، أو أهل مكة: {وَلَوْ حَرَصْتَ} أي: جهدت كل الجهد على إيمانهم ، وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك: {بِمُؤْمِنِينَ} أي: بالكتب والرسل ؛ لميلهم إلى الكفر ، وسبيل الشر . يعني: قد وضح بمثل هذا النبأ نبوته صلوات الله عليه ، وقامت الحجة ، ومع ذلك فما آمن أكثر الناس ، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8 - 67 - 103 - 121 - 139 - 158 - 174 - 190] .