فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً ، فأجلسه معه على مائدته ، وجعل يؤاكلهم وقال: أنتم عشرة ، فلينزل كل اثنين منكم بيتاً ، وهذا لا ثاني له فيكون معي ، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح ، وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك ، فقال له: أتحب أنْ أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك ، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تبتئس ، فلا تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى ، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير ، ولا تعلمهم بما أعلمتك.
وعن ابن عباس: تعرف إليه أنه أخوه ، وهو الظاهر.
وهو قول ابن إسحاق وغيره ، أعلمه أنه أخوه حقيقة واستكتمه ، وقال له: لا تبالي بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم.
قال ابن عطية: وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله: بما كانوا يعملون إلى ما يعمله فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك انتهى.
ولا يحتمل ذلك لأنه لو كان التركيب بما يعملون بغير كانوا ، لأمكن على بعده ، لأن الكلام إنما هو مع أخوة يوسف.
وأما ذكر فتيانه فبعيد جداً ، لأنهم لم يتقدم لهم ذكر إلا في قوله: وقال لفتيانه ، وقد حال بينهما قصص.
واتسق الكلام مع الأخوة اتساقاً لا ينبغي أن يعدل عن الضمير عائد إليهم ، وأن ذلك إشارة إلى ما كان يلقى منهم قديماً من الأذى ، إذ قد أمن من ذلك باجتماعه بأخيه يوسف.
وقال وهب: إنما أخبر أنه أخوه في الود مقام أخيه الذاهب ، ولم يكشف إليه الأمر ، بل تركه تجوز عليه الحيلة كسائر إخوته.
والظاهر أنّ الذي جعل السقاية في رحل أخيه هو يوسف ، ويظهر من حيث كونه ملكاً أنه لم يباشر ذلك بنفسه ، بل جعل غيره من فتيانه ، أو غيرهم أن يجعلها.
وتقدم قول وهب: إنه لم يكشف له أنه أخوه ، وأنه تركه تجوز عليه الحيلة.