بمناسبة قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ .. قال صاحب الظلال: (إن هذه النص يحدد مدلول كلمة «الدين» - في هذا الموضع - تحديدا دقيقا .. إنه يعني: نظام الملك وشرعه .. فإنه نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته. إنما هذا نظام يعقوب وشريعة دينه، وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعته، فطبقها يوسف عليهم عند ما وجد صواع الملك في رحل أخيه .. وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها «الدين» هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا. إنهم يقصرون مدلول «الدين» على الاعتقاد والشعائر .. ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة .. داخلا في «دين الله» مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع، وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض .. بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول «دين الملك» بأنه نظام الملك وشريعته وكذلك «دين الله» فهو نظامه وشريعته ..
إن مدلول «دين الله» قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر .. ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء، وتقرير ربوبيته وحده للناس أي: حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره وكان مفرق الطريق دائما بين من هم في دين «الله» ومن هم في «دين الملك» أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه. أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ويدينون لغير الله في النظام والشرائع!
وخير لنا من أن ندافع عن الناس - وهم في غير دين الله - ونتلمس لهم المعاذير، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر دينه وحدوده! خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول «دين الله» ليدخلوا فيه أو يرفضوه ..