وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم {الذين إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ قالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ راجعون} [البقرة: 156] غير هذه الأمة ، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: {فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ} وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله أدخلني الجنة ، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه ، حيث لم يكتب إليه ، ولم يعلمه حاله ، ليسكن ما به من الغم.
قوله تعالى: {قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} يعني: لا تزال تذكر يوسف {حتى تَكُونَ حَرَضاً} أي: دنفاً من الوجع.
ويقال: حتى تبلى وتهرم.
وقال القتبي: لا تحذف من الكلام ، ويراد إثباتها ، لقوله: {تفتؤ} أي: لا تزال.
كقوله: {تَالله تَفْتَأُ} وكقول {يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ ترفعوا أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أعمالكم وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] أي: أن لا تحبط.
وقال الربيع بن أنس: حتى تكون بالياً ، يابس الجلد ، وقال محمد بن إسحاق: حتى تكون حرضاً يعني: لا عقل لك {أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين} يعني: من الميتين.
وقال مجاهد: الحرض ما دون الموت والهالك الميت {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى} يعني: همي وغمي {إِلَى الله} لما رأى من فظاظتهم ، وسوء لفظهم ، ولا أشكو ذلك إليكم.
وقال القتبي: البث أشد الحزن ، إنما سمي الحزن البث ، لأن صاحبه لا يصبر عليه ، حتى يبثه أي: يفشوه.
ثم قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أن يوسف حي ، وليس بميت.
وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف ، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً ، أن ذلك سيكون.
ويقال: إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام ، وسأله هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال: لا.