ثم تقول (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) لقد حمل كلامها تهديداً ووعيداً، وجاء حافلاً بالمؤكدات التي تصور عزمها على إنفاذ تهديدها فأكدت بـ (لئن) الدالة على قسم محذوف قبلها، وباللام ونون التوكيد الثقيلة في (ليسجننّ) ، واللام ونون التوكيد الخفيفة في (ليكونن) .
رأى بعض النحاة أن مجيء (ليسجننّ) بنون التوكيد الثقيلة، و (ليكونن) بنون التوكيد الخفيفة معناه أن حرصها على سجنه كان أكبر من حرصها على إذلاله، والأمر فيما نرى يحتمل وجهاً آخر والله أعلم:
لقد أكدت امرأة العزيز بنون التوكيد الثقيلة ما هي قادرة على فعله، أي سجن يوسف (عليه السلام) ،أمّا الذل والصَّغار فأمران معنويان لا يملكهما إلا الله سبحانه وتعالى. والإذلال أمر لا يخرج عن كونه مجرد احتمال، فكيف لها أن تؤكد ما لا قدرة لها عليه، ولا بيدها حدوثه ... !؟
ولنتأمل فيما آلت إليه الأمور ...
توعدت امرأة العزيز يوسف (عليه السلام) بالسجن، بقولها: (ليسجننَّ) وقد كان لها ما أرادت (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) وانظر إلى البيان الإلهي في تكرار لفظة (لَيُسْجَنَنَّ) مؤكدة بالمؤكدين نفسيهما في الحالتين، إشارة إلى أن امرأة العزيز نفذت تهديدها كما أرادت تماماً.
أما الإذلال فليست تمتلك وسائله أو أدواته، لأنه خارج عن إرادتها فلم يكن لها ذلك، إذ كان سيدنا يوسف في سجنه داعياً إلى الله، مبلغاً رسالته، ناصحاً، مستشاراً فيما يجهل علمه سواه (تأويل الرؤيا) ، وكان - حسب ما جاء على لسان الفَتيين ـ من المحسنين، ثم لما خرج من سجنه جعله الملك على خزائن الأرض ... وفي ذلك كله عزّ ورفعة لا إذلال وصَغَار.
ظهور براءة يوسف