وقيل: لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله:"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنيِ إلَيْهِ"وكان في الجبّ بإرادة الله تعالى له.
وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعُصَاة ، وفي الجبّ مع الله تعالى ؛ وأيضاً فإن المِنّة في النّجاة من السّجن كانت أكبر ، لأنه دخله بسبب أَمْرٍ هَمَّ به ؛ وأيضاً دخله باختياره إذ قال:"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ"فكان الكَرْب فيه أكثر ؛ وقال فيه أيضاً:"اذكرني عِنْدَ رَبِّكَ"فعوقب فيه.
{وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو} يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان ، وكانوا أهل مواشٍ وبَرية ؛ وقيل: كان يعقوب تحوّل إلى بادية وسَكَنها ، وأن الله لم يبعث نبياً من أهل البادية.
وقيل: إنه كان خرج إلى بَدَا ، وهو موضع ؛ وإياه عنى جَمِيل بقوله:
وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَغْباً إلى بَدَا ...
إليّ وأوطانيِ بلادٌ سِواهُمَا
وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل.
يقال: بَدَا القومُ بَدْواً إذا أَتَوا بَدَا ، كما يقال: غَاروا غَوْراً أي أَتَوا الْغَوْر ؛ والمعنى: وجاء بكم من مكان بَدَا ؛ ذكره القشيريّ ، وحكاه الماوَرْديّ عن الضحّاك عن ابن عباس.
{مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي} بإيقاع الحسد ؛ قاله ابن عباس.
وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي ؛ أحال ذنبهم على الشيطان تكرماً منه.
{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ} أي رفيق بعباده.
وقال الخَطَّابيّ: اللطيف هو البَرّ بعباده الذي يَلطُف بهم من حيث لا يعلمون ، ويسبّب لهم مصالحهم من حيث لا يَحتسبون ؛ كقوله: {الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 19] .
وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور ؛ والمراد هنا الإكرام والرفق.
قال قَتادة ، لطف بيوسف بإخراجه من السجن ، وجاءه بأهله من البدو ، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان.