(اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ...(62)
أي في ركابهم، فقال تعالى في ذلك: (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) انقلبوا معناها هنا وصلوا، والرحال جمع رحل، وهي ركائبهم، رجاء أن يعرفوها ورجاء أن يرجعوا إلينا بما وعدوا به.
ونرى هنا أن يوسف الذي كان رفيقا بأهل مصر، كان رفيقا أيضا بإخوته وأبيه، فلم يؤخر عنهم الميرة، بل عجلها لهم، وإن أوهمهم أنه يؤجلها حتى يعودوا إليه مع أخيه.
هل آمنكم عليه!!
قال اللَّه تعالى:
(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(63)
أرادوا أخذ يوسف من أبيه ليكيدوا له، وكادوا ما كادوا، وهذه المرة، أخذوا أخيه لَا ليكيدوا له، ولكن ليميروا لأهلهم، تشابه الوقف في الظاهر، واختلف الباطن، ويشترك القصص القرآني الصادق في مجراه.
(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) ، الكيل المراد به الكيل، فهو مجاز لتلاقي الاشتقاق، وذلك لإحضار أخينا (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا) أو نقول: إن الكيل على حقيقته، أي منع أن يكال لنا، و (نَكْتَلْ) معناها يكال لنا، ونكتل مجزومة في جواب الأمر، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وعدوا وأكوا الوعد بـ (إنَّ) واللام، كوعدهم عند أخذهم ليوسف، ولكنهم كانوا كاذبين، وهنا كانوا صادقين، فتشابهت ألفاظ الوعد، واختلفت الحقائق فيها، وإن الأحكام على الأقوال تؤخذ من الظاهر، ويقاس فيه الحاضر بالماضي، وقد كان ماضيهم في يوسف يجعله يخاف من حاضرهم.
(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64)