والقول الخامس: أنه همّ بالفرار منها ، حكاه الثعلبي ، وهو قول مرذول ، أفَتراه أراد الفرار منها ، فلما رأى البرهان ، أقام عندها؟! قال بعض العلماء: كان همّ يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء ، وإِنما ابتلاهم بذلك ليكونوا على خوف منه ، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم ، وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة.
قال الحسن: إِن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيراً لهم ، ولكن لئلا تقنطوا من رحمته.
يعني الحسن: أن الحجة للأنبياء ألزم ، فإذا قبل التوبة منهم ، كان إِلى قبولها منكم أسرع.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أنه قال:"ما من أحد يلقى الله تعالى إِلا وقد همّ بخطيئة أو عملها ، إِلا يحيى بن زكريا ، فإنه لم يهم ولم يعملها".
قوله تعالى: {لولا أن رأى برهان ربه} جواب"لولا"محذوف.
قال الزجاج: المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همّ به.
قال ابن الأنباري: لزنا ، فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه.
وفي البرهان ستة أقوال:
أحدها: أنه مُثّل له يعقوب.
روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نُودي يا يوسف ، أتزني فتكون مثل الطائر الذي نُتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ فلم يعط على النداء شيئاً ، فنودي الثانية ، فلم يعط على النداء شيئاً ، فتمثل له يعقوب فضرب صدره ، فقام ، فخرجت شهوته من أنامله.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضَّاً على أنامله ، فأدبر هارباً ، وقال: وحقِّك يا أبت لا أعود أبدا.
وقال أبو صالح عن ابن عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط عاضَّاً على شفتيه.
وقال الحسن: مثّل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضَّا على إِبهامه أو بعض أصابعه.
وإِلى هذا المعنى ذهب مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة ، وابن سيرين ، والضحاك في آخرين.