وإِلى هذا القول ذهب قطرب ، وأنكره قوم ، منهم ابن الأنباري ، وقالوا: تقديم جواب"لولا"عليها شاذ مستكره ، لا يوجد في فصيح كلام العرب ، فأما البيت المستشهَد به ، فمن اضطرار الشعراء ، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره ، فيضع الكلمة في غير موضعها ، ويقدِّم ما حكمه التأخير ، ويؤخِّر ما حكمه التقديم ، ويعدل عن الاختيار إِلى المستقبح للضرورة ، قال الشاعر:
جَزَى ربُّه عَنِّي عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ ...
بِتَرْكي وَخِذْلاَني جَزَاءً موفَّراً
تقديره: جزى عني عديَّ بن حاتم ربُّه ، فاضطر إِلى تقديم الرب ، وقال الآخر:
لَمَّا جْفَا إِخوانُه مُصْعَبَاً ...
أدَّى بِذَاكَ البيَعَ صَاعاً بِصاعِ
أراد: لما جفا مصعباً إِخوانه ، وأنشد الفراء:
طَلَباً لعُرْفِكَ يابْنَ يحيى بَعْدَمَا ...
تَتَقَطَّعَت بي دونَكَ الأَسْبَابُ
فزاد تاء على"تقطعت"لا أصل لها ليصلح وزن شعره ، وأنشد ثعلب:
إِنَّ شَكْلِي وَإِنَّ شَكْلَك شَتَّى ...
فَالْزَمِي الخَفْضَ وانعمي تَبْيَضِّضي
فزاد ضاداً لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت ، وقال الفرزدق:
هُمَا تَفَلا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِمَا ...
عَلَى النَّابِحِ العَاوِي أشدُّ لِجَامِيا
فزاد واواً بعد الميم ليصلح شعره.
ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب الله النازل بالفصاحة ، لأنها من ضرورات الشعراء.
والقول الرابع: أنه همّ أن يضربها ويدفعها عن نفسه ، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إِن ضربها كان ضربه إِياها حجة عليه ، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني ، ذكره ابن الأنباري.