واما ثانيا: فلانهم كانوا مؤمنين بالله مذعنين بنبوة أبيهم يعقوب كما يظهر من قولهم:"وتكونوا من بعده قوما صالحين"وقولهم اخيرا"يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا"الآية 97 من السورة وقولهم ليوسف اخيرا"تا لله لقد آثرك الله علينا"وغير ذلك ولو أرادوا بقولهم:"ان ابانا لفى ضلال مبين"ضلاله في الدين لكانوا بذلك كافرين .
وهم مع ذلك كانوا يحبون اباهم ويعظمونه ويو قرونه وإنما فعلوا بيوسف ما فعلوا ليخلص لهم حب أبيهم كما قالوا:"اقتلوا يوسف أو اطرحوه ارضا يخل لكم وجه أبيكم"فهم كما يدل عليه هذا السياق كانوا يحبونه ويحبون ان يخلص لهم حبه ولو كان خلاف ذلك لا نبعثوا بالطبع إلى ان يبدؤا بابيهم دون اخيهم وان يقتلوا يعقوب أو يعزلوه أو يستضعفوه حتى يخلو لهم الجو ويصفو لهم الأمر ثم الشأن في يوسف عليهم اهون .
ولقد جبهوا اباهم اخيرا بمثل قولهم هذا حين قال لهم"انى لا جد ريح يوسف لو لا ان تفندون قالوا تالله انك لفى ضلالك القديم"الآية 95 من السورة ومن المعلوم ان ليس المراد به الضلال في الدين بل الافراط في حب يوسف والمبالغة في أمره بما لا ينبغى .
ويظهر من الآية وما يرتبط بها من الآيات انه كان يعقوب (عليه السلام) يسكن البدو وكان له اثنا عشر ابنا وهم أولاد علة وكان عشرة منهم كبارا هم عصبة أولوقوة وشدة يدور عليهم رحى حياته ويدبر بأيديهم أمور أمواله ومواشيه وكان اثنان منهم صغيرين اخوين لام واحدة في حجر أبيهما وهما يوسف واخوه لامه وابيه وكان يعقوب (عليه السلام) مقبلا إليهما يحبهما حبا شديدا لما يتفرس في ناصيتهما من آثار الكمال والتقوى لا لهوى نفساني فيهما كيف ؟ وهو من عباد الله المخلصين الممدوح بمثل قوله تعالى:"انا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار"ص: 46 وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .