وقال جماعة من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل التوحيد من النار وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: {مَا شَاءَ} ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك. هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السماوات والأرض التأبيد، فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} : من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] ، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى.