ولا يعرفه إلا أهل الإيمان بالله، وهو العلم الذي لا يسمح بإلحاح السؤال، إذ
أكثره خارج عن معظم الاستطاعة، بل أكثره عن نفحات البر الكريم - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه وشأنه، وفتوحات من الفتاح العليم، وعلومهم هذه مبنية على قواعد الإيمان
العلي، وهو أن الله هو الواحد الصمد، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا على
سواء التوحيد الأعلى.
وقواعدهم التي أسسوا عليها أساطين بنيانهم هي أن الله - عز وجل - لا يعجزه
شيء ، ولا يفوته شيء ماضي الأمور لديه كمستقبلها إن شاء ردها فكأنها لم تكن،
وإن شاء أمضاها فكأنها لم تزل، وإن شاء أن يصعد صعد ولا يخلو منه السفل،
وإن شاء نزل ولا يخلو منه العلو من غير تكليف لصعوده ولا نزوله سوى الإيمان
بأن له نزولاً وصعودًا، وأنه في كل مكان ومع كل موجود دون مكان، ولا معية
صحبة ولا حركة ولا انتقال، بل هي صفات له وأوصاف يوصف بها، اتصف بها في
وجوده الأزلي ما هاهنا صفة مما يعبر به عن ذلك مأخوذ عما هنالك،
وتلك منزهة عن أوصاف المخلوقين ونعوت المحدثين، وهو الذي لا يتعذر عليه
أن يتصف بما شاء.
وله المثل الأعلى بكل وجه وبكل معنى، إن شاء تكلم ولا يزداد بالكلام قدرة،
وإن شاء لم يتكلم ولا ينقصه ترك الكلام قوة، لا يعتوره حدث السكوت والكلام،
إن شاء أسمع الخلق كلامًا بلا إلهام، وإن شاء قوى أبصار العباد على رؤيته كما إن
شاء أن يضعفها عنه، وإن شاء قصر طول الدنيا كلها حتى يكون السائر في طريقه
خطوة واحدة، وطول قصر الذراع حتى لا [يقطع] مسافته أبدًا، وإن شاء أسكن
الكثير في القليل، وإن شاء أسجن الواسع في الضيق، وإن شاء جمع جميع
خلقه في خردلة، وأسمع الميت الرميم الذي لا يسمعه الحي السوي، وحجب أذن
الحي السوي عن سماع الرعد القاصف في وقت تسمع فيه وطء النمل على رءوس
الشواهق.
وقد تقدم ذكر القواعد الستة في صدر الكتاب من علومهم، ومن أذكارهم:
-لا إله إلا اللَّه.
-الله الله الله، ولا قوة إلا بالله.
-ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
-الحمد لله.
-لا يأتي بالخير إلا الله، لا يذهب السوء إلا الله.