بدلا من"ما"وهي في موضع نصب؛ لأنها مفعول شاء، فيكون المعنى إلا ما
شاء ربك عطاء غير مجذوذ، ثم ينقلون إلى خلود آخر ما دامت السماوات والأرض
إلى حيث لا يبلغه العدد، ولا ينتهي إليه الحصر كما نشاهده الآن في تدوار الدوائر
قد شاء الله قطعها إلى أجل مسمى هو عنده، وأمر الآخرة لا انقطاع له فيكون معنى
الاستثناء: إلا ما شاء ربك من بقاء دائم غير منقطع كما شاء في هذه الدار البقاء
المنقطع عطاء غير مجذوذ هكذا أبد الآباد، لأنهم آمنوا بالله الدائم الباقي
وبأسمائه وصفاته، ويكون معنى الاستثناء قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أي من
تطويل وتقصير لمدة دوام السماوات والأرض، وهو على ما شاء من ذلك قدير،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدجال لعنه الله:"إنه يمكث أربعين يوم كسنة، ويوم"
كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"."
وقال:"يكون في آخر الزمان اليوم كالسنة، واليوم كالشهر، واليوم كالجمعة،"
واليوم كالساعة، واليوم كإحراق السعفة وكضرمة النار"فهذا مما قد شاء ربنا"
وقد يشاء فيطول ما شاء حتى لا ينقطع أبد الأبدا، ويقصر ما شاء إلى
أقصر ما يتوهم كل ذلك عليه يسير.
غير أنه قال في أهل النار: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107) . وفي أهل
الجنة: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108) .
وفي الكتاب الذي كتبه على نفسه يوم استوى على العرش:"إن رحمتي"
سبقت غضبي"وفي أخرى:"تغلب"وقد علق تفتح أبواب السماء"
لأرواح المكذبين وإدخالهم الجنة بغاية كونها مستحيل في مجرى العوائد، فالله
أعلم (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
وكل شيء شاءه عليه يسير غير عسير، وما استاق جل وعلا ذكر هذه
الصفة إلا لعظيمة يقضيها لكنها مدخرة، من ذلك قوله جلَّ قوله: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا
يُرِيدُ (107) . ويقول - عز وجل - (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ
الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) . يعني للمؤمنين (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(16) .