قالوا: ويحتمل أن يكون الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا خالدين
فيها إلا ما شاء ربك من مداولة أنواع عذاب بأنواع عذاب، لم يذكر مما شاء
ربك أن تصيبهم بها.
قالوا: ويدل على ذلك قوله في أهل الجنة: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)
فيكون الشهيق والزفير منهم مجذوذًا بغيره من أنواع العذاب، ويكون وصف الخلود
مدة ما دامت السَّمَاوَات والأرض، ثم ينشأ عذابًا غير ذلك، كذلك قال جلَّ قوله
في أهل السعادة وقد قال: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) ومعلوم أنهم
ينتقلون من نعيم إلى نعيم، فكذلك أهل الشقاوة عذابهم غير منقطع، وإنما هو
التبديل من عذاب إلى عذاب.
قالوا: فيمكن أن يكون الاستثناء واقعًا من هؤلاء وهؤلاء على هذا الوجه
الموجود، نسأل الله رحمته، ونعوذ به من عذابه.
ومن قائل يقول: إن"إلا"في الاستثناء تكون بمعنى الواو، كما يقول
الرجل:"والله لا رأيت مني خير إلا إن رأيت مني غير ذلك"وعقد يمينه أنه لا
يرى غير ذلك ولا يشاؤه.
ومن قائل يقول: معنى قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) معنى قوله:(لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)وقد علم الله - جلَّ جلالُه - أنهم يدخلونه حتمًا،
والاستثناء على هذا لم يوجب خيارًا، إذ عزيمة المشيئة قد كانت تقدمت بأن
يدخلوه.
قال: وهذا الاستثناء مثله.
قال: ومثله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ولا يحل لقتطها إلا لمنشد"والمعنى: ولا
لمنشد. انتهى ما بلغنا فيه من تفسير المتقدمين (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي
السَّبِيلَ (4) .
والذي ذهب إله أيضًا بعضهم أن السماوات يومئذٍ هي سماء الجنة، وهو
العرش، والأرض المذكورة هي أرضها وتلك سماء وأرض مؤبدتان بقاء سرمدًا لا
إلى منتهى وهذه السماوات والأرض يومئذٍ؛ قد [بُدلتا] بغيرهن فيكون معنى قوله:(إِلَّا
مَا شَاءَ رَبُّكَ)هو مدة ما لم يدخلوها، وهو ما قبل يوم البعث، ثم إلى
حين دخولهم داري القرار والله أعلم، وفصل الخطاب في ذلك إن شاء الله
-والله أعلم بعلمه وبحكمه - أن الاستثناء هو من الخلود قدر دوام السماوات
والأرض.