الجسد سجنًا له ولعل قوله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)فقرن الجاحين بالطائر ليخلص الإخبار عن طائر
الدنيا الذي في السماء من هذا الحيوان من تلك الطوائر، وقد تقدم مثل هذا
فيما قبل مقرونًا بالاستشهاد عليه من أن الأموات أحياء بوجه حياة هي أشرف
من هذه وأكرم للمؤمنين، وحياة الكافرين فيما هنالك بمقدار ما لا يفقدون
منها إحساس العذاب ووجود الخزي وذلة الهون.
قال الله جل قوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22) مِنْ
دُونِ اللَّهِ) وقد يقع هذا الاسم على القرين الذي قارنه
المضل له في الدنيا.
(فصل)
المؤمن له حقيقة في العلو كما للكافر حقيقة في السفل، قال الله جلَّ من قائل:
(كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ(18) .
ثم قال جلَّ قوله: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ(21) .
وقال عزَّ من قائل: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) . فما من شيء كائن ما كان من نبات وجماد
وحيوان إلا وقد خلق الله - جلَّ جلالُه - له زوجًا بقوله:"مثال باطن هذا المشاهد له ظاهر".
قال الله - عز وجل -: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
بَهِيجٍ (7) . فأحد الزوجين هو المشاهَد، وزوجه باطنه، والكريم من الأزواج ما
كان محمودًا، والذميم ما كان رجسًا؛ ذلك لأنه نكب به في الوجود عن ظاهر
سنن الفطرة، لهذا ومثل هذا أتبع - جلَّ جلالُه - ذلك بقوله الحق جلَّ قوله: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) . فالتبصرة من ذلك إثبات الوحدانية من ذلك وصفات
الألوهية، ودلائل براهين النبوة، واليقين بموجودات الدار الآخرة وما جرّ إلى ذلك،
والذكرى توجب أن كل زوج محمود هو في الجنة وإلى الجنة مع ما هو زوج
له، وكل زوج مذموم هو وزوجه في النار، آية ذلك أعمال المكلفين
حسنها للحسنى وسيئها للسوءى.