وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مُدَّةِ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَذَلِكَ هُوَ الْخُلُودُ فِيهَا أَبَدًا
عَنْ أَبِي سِنَانٍ،" {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} قَالَ: وَمَشِيئَتُهُ خُلُودُهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَقَالَ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} "
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ الِاسْتِثَنَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَجْعَلَهُ اسْتِثَنَاءً يَسْتَثْنِيهِ وَلَا يَفْعَلُهُ، كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَعَزْمُكَ عَلَى ضَرْبِهِ، قَالَ: فَكَذَلِكَ قَالَ: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} وَلَا يَشَاؤُهُ. قَالَ: وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا اسْتَثْنَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مَعَ مِثْلِهِ، وَمَعَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ كَانَ مَعْنَى إِلَّا وَمَعْنَى الْوَاوِ «سِوَى» فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْخُلُودِ، فَيُجْعَلُ «إِلَّا» مَكَانَ «سِوَى» فَيَصْلُحُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ سِوَى مَا زَادَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ وَالْأَبَدِ.
وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ إِلَّا الْأَلْفَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ.
قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ. وَقَدْ وَصَلَ الِاسْتِثَنَاءَ بِقَوْلِهِ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثَنَاءَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ فِي الْخُلُودِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَنْهُمْ.