ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن رحمه الله فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه إن رسول الله قال يقول الله عز وجل اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ولا ريب إن رحمته سبحانه وتعالى إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا أو خافه في مقام ما فغير بدع إن تنفى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار.
الوجه الحادي والعشرون إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة وعدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد إن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم الله إن ذلك داخل في قلبه وسويدائه فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله"إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله إن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي الله تبارك وتعالى إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار فيوحي الله إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول أي رب ارني بينتك فينطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا اعرف بها منك اعترف لي بها اغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه"