وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد فإن قلتم إن ذلك موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين أحدهما إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين إن تكون أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك والثاني أنه لو كان الأمر كذلك لكان بقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية له وغاية الأمر على هذا التقدير أن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف على حكمها على خبر الصادق فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه متن يقتضيه.
الوجه السادس عشر أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخر عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته ولهذا ترى الأطفال الكفار قد آلت عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم.