فالجواب: أنها لظهور برهانها وتواتر أخبارها كأنها معلومة عندهم، فلو أنصفوا ونظروا لأقروا بها، ولذلك أمر الرسول بأن ينوب عليهم في الجواب، فقال: (قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) لأن لجاجهم وجحودهم لا يتركهم يعترفون بها، ولذلك قال لهم: (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) تُصرفون عن سواء السبيل.
(وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ(61)
والمراد: لا يغيب عنه شيء في الوجود بأسره، وخصهما لأن العامة لا تعرف غيرهما.
قال في الكشاف: فإن قلت: لِمَ قدَّم هنا الأرض بخلاف سورة سبإ؟
فالجواب: أن السماء قدمت في سبإ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادةُ على أهل الأرض. اهـ.
(فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(85) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86)
وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولاً لتُجاب دعوته لأنه يتسبب في نجاح أمره، ثم يدعو. والله تعالى أعلم.
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(87)
فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ موسى وهارون بالخطاب في قوله: (أَنْ تَبَوَّءا) ، ثم خُوطب بها بنو إسرائيل في قوله: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ) ؟
فالجواب: أن التبوأ واتخاذ المساجد مما يتعاطاه رءوس القوم للتشاور، بخلاف جعل البيوت قبلة فمما ينبغي أن يفعله كل أحد.