وَقَدْ ذُمَّ الْفَرَحُ فِي مَوَاضِعَ، كَقَوْلِهِ: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: 76] وقوله: (إنه لفرح فخور) [هود: 10] وَلَكِنَّهُ مُطْلَقٌ.
فَإِذَا قُيِّدَ الْفَرَحُ لَمْ يَكُنْ ذَمًّا، لِقَوْلِهِ: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فضله) [آل عمران: 170] وهاهنا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ فَلْيَفْرَحُوا، فَقُيِّدَ.
قوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ: (مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْهَا غَيْرُكُ مُنْذُ أُنْزِلَتْ هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْبِشَارَةُ الَّتِي تُبَشِّرُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: إِذَا اسْتَنْقَعَتْ نَفْسُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكَ وَلِيَّ اللَّهِ اللَّهُ يُقْرِئُكَ السَّلَامُ) .
ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [النحل: 32] ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: هِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ هُوَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ مَا يُبَشِّرُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ جَنَّتِهِ وَكَرِيمِ ثَوَابِهِ، لقوله:
(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ) [التوبة: 21] ، وَقَوْلِهِ: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) [البقرة: 25] .
وقوله: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30] ولهذا قال: (تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ) أَيْ لَا خُلْفَ لِمَوَاعِيدِهِ، وذلك لأن مواعيده بكلماته.
(في الْآخِرَةِ) قِيلَ: بِالْجَنَّةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ.
وَقِيلَ: إِذَا خَرَجَتِ الرُّوحُ بُشِّرَتْ بِرِضْوَانِ اللَّهِ.