ومن المعلوم ، أن هذا التنكرَ والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم ، ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به ، وهكذا القلبُ إذا استحكم مرضُه ، واشتد ألمُه بالذنوب والإجرام ، لم يجد هذه الوحشة والتنكر ، ولم يحس بها ، وهذه علامةُ الشقاوة ، وأنه قد أيسَ من عافية هذا المرض ، وأعيا الأطباء شِفاؤه ، والخوفُ والهمُّ مع الريبة ، والأمنُ والسرورُ مع البراءةِ مِن الذنب.
فَمَا فِي الأرْضِ أَشْجَعُ مِنْ بَرِىءٍ وَلا فِي الأرْضِ أخْوَفُ مِنْ مُرِيبِ
وهذا القدرُ قد ينتفع به المؤمنُ البَصيرُ إذا ابتُلِىَ به ثم راجع ، فإنه ينتفع به نفعاً عظيماً مِن وجوه عديدة تفوتُ الحصرَ ، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه من ذلك أعلام النبوة ، وذوقُه نفس ما أخبر به الرسولُ فيصير تصديقه ضرورياً عنده ، ويصيرُ ما ناله مِن الشر بمعاصيه ، ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذوقية التي لا تتطرقُ إليها الاحتمالات ، وهذا كمن أخبرك أن فِي هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيتَ وكيتَ على التفصيل ، فخالفته وسلكتها ، فرأيتَ عَيْن ما أخبرَكَ به ، فإنك تَشْهَدُ صِدقَه فِي نفس خِلافك لهُ ، وأما إذا سلكت طريقَ الأمن وحدها ، ولم تجد من تلك المخاوف
شيئاً ، فإنه وإن شهد صدق المخبر بما ناله من الخير والظفر مفصلاً ، فإن علمه بتلك يكون مجملاً.
فصل