فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 204922 من 466147

فصل

وفى نهى النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر مَن تخلَّف عنه دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين ، فأراد هجرَ الصادقين وتأديبَهم على هذا الذنب ، وأما المنافِقون ، فجُرمهم أعظمُ من أن يُقابَل بالهجر ، فدواء هذا المرض لا يعمل فِي مرض النفاق ، ولا فائدةَ فيه ، وهكذا يفعلُ الرب سبحانه بعباده فِي عقوبات جرائمهم ، فيؤدِّبُ عبده المؤمن الذي يحبُه وهو كريم عنده بأدنى زَلَّة وهفوة ، فلا يزال مستيقظاً حَذِراً ، وأما مَن سقط من عينه وهان عليه ، فإنه يُخلَى بينَه وبين معاصيه ، وكلما أحدث ذنباً أحدث له نِعمة ، والمغرورُ يظن أن ذلك مِن كرامته عليه ، ولا يعلم أن ذلك عينُ الإهانة ، وأنه يُريد به العذابَ الشديد ، والعقوبةَ التي لا عاقبة معها ، كما فِي الحديث المشهور:"إذَا أرَادَ اللهُ بَعَبْدٍ خَيْراً عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، وإذَا أرادَ بِعَبْدٍ شَراً ، أَمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، فَيَرِدُ يَوْمَ القِيَامَة بذُنُوبِه".

وفيه دليل أيضاً على هِجران الإمام ، والعالمِ ، والمطاعِ لمن فعل ما يستوجِبُ العَتب ، ويكون هِجرانه دواء له بحيث لا يضعُف عن حصولِ الشفاء به ، ولا يزيدُ فِي الكمية والكيفية عليه فيهلكه ، إذ المرادُ تأديبُه لا إتلافُه.

وقوله:"حتى تنكرت لي الأرض ، فما هِىَ بالتي أعرِفُ"هذا التنكرُ يجده الخائفُ والحزينُ والمهمومُ فِي الأرض ، وفى الشجر ، والنبات حتى يجدَه فيمن لا يُعلم حاله من الناس ، ويجده أيضاً المذنبُ العاصى بحسب جُرمه حتى فِي خُلُقِ زوجته وولده ، وخادمه ودابته ، ويَجِدُه فِي نفسه أيضاً ، فتتنكر له نفسُه حتى ما كأنَّه هو ، ولا كأنَّ أهلَه وأصحابَه ، ومَن يُشْفِقُ عليه بالَّذِينَ يعرِفُهم ، وهذا سر من الله لا يخفى إلا على مَن هو ميتُ القلب ، وعلى حسب حياة القلب ، يكون إدراكُ هذا التنكر والوحشة. وما لجرح بميت إيلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت