وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان بعد بيان المأمور والمنهي، أما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.
وعلى هذا فالقاعدة أن الله لا يؤاخذ عباده على شيء إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره، وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، أما قبل العلم والبيان فلا، فالآية إذن فيها تطمين
لمن خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل نزول النهي.
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ هذا تذكير من الله لعباده بصفاته، وهو في هذا السياق يفيد الحض على التقوى، والتحريض على الجهاد. قال ابن جرير: (هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين، وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه) ثم ختم الله هذا المقطع وهذه المجموعة بتبيان ما كافأ به من خرج للنفير يوم تبوك وتبيان قبوله توبة من أرجأ الله قبول توبته ليمحصهم فقال:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ