وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة مباشرة، وسببها: أَن أَشراف هوازن وثقيف اجتمعوا وتشاوروا قائلين: إِن محمدا قد فَرَغَ من قتال قومه ولا ناهِيَةَ له عنَّا، فلنبدأْه بالغزو قبل أَن يغزونا، وأَجمعوا أَمرهم على ذلك، واجتمعت إِليهم عدة قبائل، منهم قبيلة سعد بن بكر الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسترضعا فيهم، وجعلوا قيادتهم لمالك بن عوف النصرى، وكانوا عددًا كثيرًا، فلما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك, أَزمع المسير إِليهم، وخرج معه اثنا عشر أَلفا، منهم عشرة آلاف ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والأَنصار، والباقون من الطلقاءِ، أَي من أَهل مكة الذين أَسلم كثير منهم، وعفا عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال لهم: اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ، وكان فيهم بعض المشركين.
فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأَنصارى: لن نغلب اليوم من قلة، فساءَت هذه الكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فاقتتلوا قتالا شديدًا، فإنهزم المشركون وتركوا ذرياتهم ونساءَهم وأَموالهم، وكانوا قد جعلوهم خلفهم في المعركة
ليقاتلوا مستبسلين دفاعًا عنهم فأَكبَّ المسلمون على الغنائم، فنادى المشركون يا حماة السوءِ: اذكروا الفضائح، فتراجعوا يحملون على المسلمين فانكشف المسلمون منهزمين، فقد أَدركهم شؤم إِعجابهم بكثرتهم وتراخيهم بسبب ذلك في القتال إِلى جانب اشتغالهم بجمع الغنائم والسبايا، ووجود عناصر مشركة وأُخرى حديثة العهد بالإِسلام من أَهل مكة، لم يزل للشرك أَثر في نفوسهم، حتى قال أَبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وقال أَخ لصفوان بن أُمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه: اسكت فَضَّ الله فَاكَ، والله لأَن يَرُبَّنى رجل من قريش خير من أَن يَرُبَّنى رجل من هوازن.
26 - {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} :