ولكن وضوح ذلك كله للقيادة المسلمة - حينذاك - لم يكن معناه وضوحه - بنفس الدرجة - لكل الجماعات والطوائف في المجتمع المسلم. وبخاصة لحديثي العهد بالإيمان والمؤلفة قلوبهم ، فضلاً على ضعاف القلوب والمنافقين!
كان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم - من يتحرج من إنهاء العهود مع المشركين جميعاً - بعد أربعة أشهر للناكثين ومن لهم عهود غير موقتة ومن لم يحاربوا المسلمين ولو من غير عهد ومن لهم عهود أقل من أربعة ؛ وبعد انقضاء الأجل لمن لهم عهود موقوتة ولم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً - ولئن كانوا يستسيغون نبذ عهود الناكثين والذين تخاف منهم الخيانة ، كما سبق في الحكم المرحلي الذي تضمنته سورة الأنفال: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58] فإن إنهاء عهود غيرهم بعد أربعة أشهر أو بعد الأجل المقدر ، ربما بدا لهم مخالفاً لما عهدوه وألفوه من معاهدة المعاهدين وموادعة الموادعين وترك المهادنين.. ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمراً أكبر من المألوف ؛ وخطوة وراء ما انتهت إليه الأمور!
وكان في المجتمع المسلم كذلك - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم كذلك - من يرى أنه لم تعد هناك ضرورة لقتال المشركين عامة ، ومتابعتهم حتى يفيئوا إلى الإسلام ؛ بعدما ظهر الإسلام في الجزيرة وغلب ؛ ولم تبق إلا جيوب متناثرة هنا وهناك لا خوف منها على الإسلام اليوم. ومن المتوقع أن تفيء رويداً رويداً - في ظل السلم - إلى الإسلام.. ولا يخلو هذا الفريق من التحرج من قتال الأقرباء والأصدقاء ومن تربطهم بهم علاقات اجتماعية واقتصادية متنوعة ، متى كان هناك أمل في دخولهم في الإسلام بغير هذا الإجراء العنيف.