كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يُفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع ؛ والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير الله ، أو تجعل فيه شركاء لله.. هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول الله سبحانه {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} [الحج: 40] والذي يقول عنه سبحانه كذلك: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] .
وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين:
إحداهما: انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة ، وغزوة بعد غزوة ، ومرحلة بعد مرحلة ؛ لنشر منهج الله في الأرض حوله ؛ وإبلاغ كلمة الله إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة - في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس كافة وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون هذا الإعلان العام والبلوغ إلى كل بني الإنسان - حتى فتحت مكة ، وخضدت شوكة قريش العقبة الكبرى في طريق الزحف الإسلامي ، واستسلمت هوازن وثقيف في الطائف أقوى القبائل بعد قريش في طريق هذا الزحف.
وأصبحت للإسلام قوته التي ترهب عدوه ؛ وتسمح بالقيام بالخطوة النهائية الحاسمة في الجزيرة - تمهيداً لما وراءها من أرض الله حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.