"ولمَّا"للنفي ، ومثلها مثل قولنا:"لما يأت"أي: أنه لم يتحقق المجيء حتى الآن ، وتختلف"لما"عن"لم"، ف"لم"لا تؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها ، فما يأتي بعدها لن يتحقق أبدا ، أما"لما"فتؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها ، أي أن ما بعدها . . لم يتحقق إلى لحظة نطقها ، ولكنه قد يتحقق بعد ذلك . فإن قلت:"لما يثمر بستاننا"أي: أن البستان الذي تملكه لم يثمر ، ولكنه قد يثمر بعد ذلك . وسبحانه وتعالى يقول: {قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] .
ومعنى القول الكريم: أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم إلى الآن ، ولكنه سوف يدخل بعد ذلك ، وهذه بشارة لهم . فقد قالت الأعراب:"آمنا"فأوضح الحق سبحانه وتعالى: بل أسلمتم ولم يدخل الإيمان قلوبكم ؛ لأن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم ، والإسلام انقياد لما يتطلبه إيمان القلب من سلوك ، أي: أنتم قد سلكتم سلوك الإسلام ، ولكنه سلوك سطحي لم يأت من ينابيع القلب . وقول الحق هنا:
{وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 16] .
لا يعني أن علمه متصل بوقت الكلام ، فعلم الله تعالى موصول أزلي وسبحانه مُنزَّهٌ عن الأغيار .
إذن فالعلم المراد هنا هو علم الواقع الذي سوف يكون حجة عليكم ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو لم يختبركم لقلتم: لو أمرتنا يا رب بالقتال لقاتلنا ، ولو أمرتنا بالصبر في الحرب لصبرنا ، وَلَكُنَّا أكبر المجاهدين .
ولذلك جاءت الابتلاءات كتجربة عملية ، ومن هذه الابتلاءات مواجهة العدو في حرب ، فمن هرب ثبت له التقصير في المواجهة ، ومن لم يصبر على الابتلاءات ، عرف تقص إيمانه وأصبح ذلك علما واقعا .