وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الْمُجْبِرَةُ وَمِنْهُمْ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْجَبْرِ وَنَفْيِ الِاخْتِيَارِ فِيمَا هُوَ أَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ ، وَهُوَ إِخْبَارُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ ، وَيَجْرَحُ آخَرِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَهَذَا يَدُلُّ بِزَعْمِهِمْ عَلَى أَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَسُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ لَيْسَتْ إِلَّا آلَاتٌ لَا تَأْثِيرَ لَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَأَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ مُنَاطُ التَّكْلِيفِ اسْمٌ لَا مُسَمَّى لَهُ ، وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَى فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى (8: 17) فَإِنَّ فِي هَذَا إِثْبَاتًا لِإِسْنَادِ الرَّمْي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَةِ مُبَاشَرَتِهِ لِأَخْذِ التُّرَابِ مِنَ الْأَرْضِ ، وَإِلْقَائِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ فِي جِهَتِهِمْ ، مَعَ نَفْيِهِ عَنْهُ ثُمَّ إِسْنَادِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَثَرِهِ وَهُوَ وُصُولُ التُّرَابِ إِلَى وُجُوهِهِمْ ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ أُسْنِدَ التَّعْذِيبُ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُهُ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ . وَقَدْ بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّ لِهَذَا التَّعْذِيبِ مَعْنًى وَرَاءَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ الَّذِي هُوَ كَسْبُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَمَلُهُمْ هُوَ فِعْلُ اللهِ وَحْدَهُ ، عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فَوْقَ الْمَذْهَبَيْنِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْذِيبِ الْقَتْلُ وَالْجَرْحُ كَمَا تَعْلَمُ مِنْ قَوْلِ كَبِيرِي نُظَّارِهِمْ وَمَا نُقَفِّي بِهِ عَلَيْهِ تَأْيِيدًا لِلْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ .