لقد أراد الله أن يحرر"المكان"وهو أرض الكعبة أولاً ، ثم يحرر"المكين"وهم البشر فلا بد - إذن - أن تتطهر الكعبة من الأوثان ، وأن يُمنع العراة من الطواف حول البيت الحرام ويُمنع المشركون من الوجود في البلد الآمن بالإسلام . وسبق حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع العلاقات وإنهاء المعاهدات ، لكن سماحة الإيمان وحب الله لخلقه جميعا لم يجعله يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع المعاهدة فوراً ، أو أن يقاتل المؤمنون المشركين ويأسروهم فوراً ، لا ، بل منحهم أربعة أشهر لعلهم يفيئون إلى الإسلام وأن يتوبوا إلى بارئهم .
لقد بين سبحانه وتعالى للكافرين أن هذه المدة لن تفيدهم في حربهم ضد الإسلام ؛ لأنهم غير معجزي الله في الأرض ، أي لن يعجز الله استعدادهم أو مكرهم أو أي شيء يفعلونه خلال هذه الأشهر الأربعة ، فإذا انتهت هذه الأشهر وقعت العقوبة على الكفار إما بالقتل وإما بالحصار ، أو بالترصد ، أو عليهم أن يدبروا أمر حياتهم بالسياحة في الأرض ما داموا قد أصروا على الكفر ؛ لأن حكماً من الله قد نزل بعدم وجود المشركين في هذه البقعة المقدسة .
وأراد الحق سبحانه وتعالى برحمته أن يبقي الباب مفتوحاً للكفار لكي يعودوا إلى منهجه فقال عز وجل:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .
وبعد انقضاء مدة الأشهر الأربعة ، إذا استجار بك أحد من المشركين فأجره ، ونحن نعلم في اللغة العربية أنّ"إِنْ"الشرطية لا تدخل إلا على فعل ولا تدخل على اسم أبداً ؛ فتقول: إن قام زيد قام عمرو ، وأما"إنْ"في قوله تعالى: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] .