وكان النهي هنا في هذه الآية الكريمة يشمل الحاضر والمستقبل . وهذا ما يسمى في السياسة الدولية باسم قطع العلاقات ، بل إن قطع العلاقات الدولية إنما يكون بسبب طارئ ، أما الخلاف بين المسلمين الأوائل وأهل الشرك فلم يكن صراعاً بين فكر بشر وفكر بشر آخرين ، ولكن المسألة كانت صراعات بين منهج تريده السماء لأهل الأرض ، وبين المنتفعين بالفساد في الأرض ؛ لذلك كان لا بد أن يكون القطع نهائياً ، فلا لين ولا مهادنة . ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان ، وهكذا فشلت حيلة الكفار في تمييع وتضييع قضية الدين ، وضاع مكرهم ، وبقي الوجود الإيماني قويا متحداً في مواجهة جبروت الكفار بعد أن كان مهدداً .
ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة ؛ مرحلة اعتراف الكفر بقوة الإيمان ، فقد كان الكفار يواجهون المؤمنين بالقهر والتعذيب ، والمؤمنون يواجهون هذا بالصبر والاحتمال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وحدثت المواجهة المسلحة بين الإيمان والكفر في غزوة بدر ، وانتصر المؤمنون وأصبح لهم كيان يحميهم ، فلم يعودوا هم القلة الضعيفة المستذلة والمستكينة ، بل أصبحت لهم قوة ولهم قدرة ، وإن لم تصبح لهم سيطرة . ولكنهم أصبحوا قوة قادرة على مواجهة الكفار أو قوة مساوية لهم ؛ تستطيع أن تصد الاعتداءات وتواجه الضربة بالضربة .
وحين أصبح للإيمان هذه القوة والقدرة على حماية أنفسهم والمساواة والكيان تجاه الكفار ؛ كانت هذه بداية المرحلة التي أعطت الإسلام تفرغاً لنشر الدعوة خارج محيط مكة ، وأمن المسلمون وهم ينشرون دعوتهم من هجوم الكفار وتنكيلهم بهم بعد صلح الحديبية ، وكان مجرد التعاقد والتعاهد هو اعتراف بدولة الإيمان ، وهي المسألة التي فطن لها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وقد ظن البعض لأول وهلة أن معاهدة الحديبية كان فيها إهدار لحق المؤمنين ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: علام نعطي الدنية في ديننا .