المرحلة الأولى كانت الدعوة للإيمان ، والدعوة إلى المحبة ، والدعوة إلى المساواة . وعدم مقابلة التعذيب والقتل بالعنف . وهذه البداية لم تعجب سادة قريش بل جعلتهم يستهينون بالمؤمنين ويمنعون في إيذائهم وتعذيبهم ويعتقدون أنهم سيقضون عليهم ، فلما وجدوا الدعوة تقوى رغم كل ما تواجهه من مراحل التعذيب والبطش ؛ ازدادوا تنكيلاً بالمؤمنين ، فهاجر بعض من المؤمنين إلى الحبشة ، وأصبحوا يبحثون عمن يحميهم ويستجيرون به ؛ وشاء الحق تبارك وتعالى ذلك حتى لا يدخل الإسلام إلا من أُشرب قلبه حب الإسلام واستهان بكل الصعاب والاضطهاد والقتل والتشريد ؛ وهؤلاء هم الذين سيصبحون مأمونين على الدعوة . وبعد ذلك ظل الكفر على كفره ، وظل الإيمان يأخذ إليه بهدوء بعض الأفراد ، وحاول الكفار أن يستميلوا المؤمنين بالحيلة بعد أن فشلت القوة والبطش والإرهاب ؛ فقالوا: نعبد إلهكم فترة وتعبدون إلهنا فترة ، فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة فيها ما يسمى بالعرف الحديث"قطع العلاقات"، فقال الحق عز وجل: {قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1 - 6] .
وكان هذا إعلاناً بمرحلة ثانية تتسم بأنه لا مهادنة ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان ؛ لأنه لو قبل المؤمنون عبادتهم لآلهة - الكفار ؛ فهذا اعتراف منهم بأن آلهتهم حق ، ولو قبلوا أن يعبدوا الإله الواحد ويشركوا به آلهة أخرى لكان ذلك تفريطاً ، ولا يمكن أن يحدث ذلك .