والمنتفعون بالفساد يكرهون أي مصلح جاء ليعدل ميزان حركة الحياة في الكون . فلا بد أن يقفوا في وجهه ؛ ليدافعوا عن سيادتهم وعن منافعهم وأموالهم التي حصلوا عليها بالباطل والظلم ، ومن استعبادهم للناس . وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت مكونة من قبائل متعددة ، وكان لكل قبيلة قانونها الذي يضعه شيخها ليستأثر لنفسه بكل شيء .
ومعنى ذلك أنه لا توجد رابطة تربط بين هذه القبائل ، ولا يوجد قانون عام يحكمها ، وكل قبيلة لها عزوتها ولها شوكتها ولها حروبها . وكل فرد في قبيلة لا بد أن يكون مقاتلا يحمل سلاحه مستعدا للحرب في أي وقت ، لأنه مهدد في أي لحظة أن تغير عليه قبيلة أخرى ، إلا قبيلة واحدة هي قريش . فقد أخذت السيادة ولا يعتدي عليها أحد ولا تُهَاجَم قوافلها ، ولا تستطيع قبيلة في الشمال أو في الجنوب أن تهاجم تجارتها ؛ لأن هذه القبائل كلها ستأتي في يوم من الأيام قاصدة حج بيت الله الحرام في مكة . وخلال الحج تكون هذه القبائل في حاجة إلى الأمان من قريش ؛ ولذلك حرصت كل قبائل العرب أن تحافظ على علاقتها مع قريش ، لأن السيادة على بيت الله الحرام التي جعلها الله لقريش هي الضمان . وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحماية البيت الحرام من أي عدوان ، حتى عندما جاء أبرهة بأفياله ليهدم الكعبة ؛ جعله الله هو وجيشه كعصف مأكول مصداقاً لقوله الحق تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 1 - 5] .
فإذا قرأت السورة التي بعد سورة الفيل مباشرة تجد أنها: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4] .