(لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ(117)
دَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ هَذَا السَّفَرَ كَانَ شَاقًّا شَدِيدًا عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى مَا سَيَجِيءُ شَرْحُهَا، وَهَذَا يُوجِبُ الثَّنَاءَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَا قَوْلُهُ: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ) ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْءٌ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقوله تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 43] وَأَيْضًا لَمَّا اشْتَدَّ الزَّمَانُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ شَرْحُهَا، فَرُبَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِمْ نَوْعُ نَفْرَةٍ عَنْ تِلْكَ السَّفْرَةِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي خَاطِرِ بَعْضِهِمْ أَنَّا لَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى الْفِرَارِ.
وَلَسْتُ أَقُولُ عَزَمُوا عَلَيْهِ، بَلْ أَقُولُ وَسَاوِسٌ كَانَتْ تَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَاللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهُ بِفَضْلِهِ عَفَا عَنْهَا.
فَقَالَ: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْإِنْسَانَ طُولُ عُمُرِهِ لَا يَنْفَكُ عَنْ زَلَّاتٍ وَهَفَوَاتٍ، إِمَّا مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَفْضَلِ.
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وسائر المؤمنون لَمَّا تَحَمَّلُوا مَشَاقَّ هَذَا السَّفَرِ وَمَتَاعِبَهُ، وَصَبَرُوا عَلَى تِلْكَ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَحَمُّلَ تِلْكَ الشَّدَائِدِ صَارَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ الزَّلَّاتِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ، وَصَارَ قَائِمًا مَقَامَ التَّوْبَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْإِخْلَاصِ عَنْ كُلِّهَا.
فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) الْآيَةَ.