إذن فلم توضع عقوبة واحدة تشمل الجميع . لأن الجميع غير متساوين في عدائهم للإسلام ؛ فأئمة الكفر لهم حكم ، والذين عداوتهم للإسلام أقل لهم حكم آخر . ثم تأتي رحمة الله سبحانه وتعالى ؛ لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده فلا ييئسهم أبداً من الرجوع إليه فيقول: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاوة وَآتَوُاْ الزكاوة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5] .
ويفتح سبحانه باب التوبة أمام عباده جميعاً ولا يغلقه أبداً ، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فيما يرويه عنه أبو حمزة أنس بن مالك - خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لله أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة".
أي أنك وأنت مسافر في صحراء جرداء بعيدة تماماً عن أي عمران ثم جلست لتستريح ومعك الجمل الذي تسافر عليه ؛ عليه الماء والطعام وكل ما تملك من وسائل الحياة ، ثم غفلت عن الجمل فانطلق شارداً وسط الصحراء ، وتنبهت فلم تجده ولا تعرف مكانه ، وفجأة وأنت تمضي على غير هدى وجدت الجمل أمامك ، فكيف تكون فرحتك؟ إنها بلا شك فرحة كبيرة جدا لأنك وجدت ما ينجيك من الهلاك ، وهذه الفرحة تملأ النفس وتغمرها تماماً ، كذلك يفرح الله بتوبة عباده ، لذلك يوضح سبحانه وتعالى بأنه إن تاب هؤلاء الكفار من عدائهم لدين الله ورسوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فَلْيُخَلِّ المسلمون سبيلهم وليتركوهم أحراراً .