ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى:"وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً" [مريم: 88 - 89] , فعدل عن الغيبة في (قالوا) إلى الخطاب في (جئتم) , لأن من يزعم اتخاذ الرحمن ولداً لا شك أنه مفتون في دينه, ويستنكر منه هذا القول الآثم, وينبغي أن يوبخ عليه, وتوبيخ الحاضر أشد نكاية دائماً من توبيخ الغائب, وهذا سر الالتفات في هذه الآية الكريمة (12) .
3 -التشديد على طلب الشيء:
من المعاني للالتفات من الغيبة إلى الخطاب التشديد في طلب أمر من الأمور, ومن الأمثلة على ذلك: قوله تبارك وتعالى:"لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً" [الأحزاب: 55] , ومحل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب هو في قوله تعالى:"وَاتَّقِينَ اللَّهَ", ولم يقل: ويتقين الله, وكأنه قيل واتقين الله فيما أمرتن به من الاحتجاب وما أنزل فيه الوحى من الاستتار واحتطن فيه, وفي السياق فضل تشديد في طلب التقوى منهن (13) .
4 -التخفيف من شدة الأمر:
وفي الانتقال من الغيبة إلى الخطاب تخفيف من شدة الأمر, كقوله تعالى:"أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة: 184] , وموضع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى:"وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ"ولم يقل: وأن يصوموا خير لهم, وفيه تخفيف من كلفة الصوم بلذة المخاطبة, يقول الآلوسي:"وأن تصوموا أي: أيها المطيقون المقيمون الأصحاء أو المطوقون من الشيوخ والعجائز أو المرخصون في الإفطار من الطائفتين والمرضى والمسافرين وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب جبراً لكلفة الصوم بلذة المخاطبة (14) ."
5 -العتاب: