حال إلى حال وتغير لون الكلام, لكن من الخطأ حصر الالتفات في هذا الغرض فقط, لأن المتتبع للالتفات وخصوصاً في القرآن الكريم يجد له أغراضاً أخرى كثيرة
ومتعددة, مما يجعل الالتفات موضوعاً بالغ الأهمية في علم البلاغة.
وممن تنبه لهذا الأمر واستنبط أغراضاً أخرى للالتفات ابن جني في كتابه: (المحتسب) , ففي تعليقه على قراءة الحسن لقوله تعالى:"وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّه" [البقرة: 281] , بياء مضمومة (يُرجعون) يقول:"إنه ترك الخطاب إلى الغيبة, كقوله تعالى:"حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ" [يونس: 22] , وكأنه - والله أعلم - إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة, فقال:"يُرْجَعُونَ"بالياء؛ رفقاً من الله سبحانه بصالحي عباده المطيعين لأمره ..."
فصار كأنه قال: (اتقوا أنتم يا مطيعون يوماً يُعذب فيه العاصون) , فالسر البلاغي في هذا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ترفق الله بالمؤمنين بدلاً من صريح مخاطبتهم في مجال الوعيد والإنذار" (5) ."
ويقول الإمام النسفي عن الالتفات عند تفسيره لقوله تعالى:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: 5] :"والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخلَ في القبول عند السامع وأحسنَ تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذ إصغائه وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما هم" (6) .
وقد ذكر جماعة من علماء البلاغة والمفسرين أغراضاً أخرى كثيرة للالتفات, وسنحاول في الفقرة التالية أن نذكر بعض هذه الأغراض والفوائد؛ ليتجلى للقارئ مدى البلاغة التي اشتمل عليها القرآن الكريم واتساع المعاني فيه.
الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم:
جاء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مواضع كثيرة في القرآن الكريم, وقد تنوعت
أغراضه تنوعاً واسعاً, ومن هذه الأغراض البلاغية للالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم:
1 -التهديد والتخويف:
جاء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مواطن كثيرة في كتاب الله لغرض التهديد
والتخويف, ومن الأمثلة على ذلك: