فأنزل الله عزّ وجلّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض} إلى آخر الآيتين"في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلاَّ عُمر"وروى أبو داود عن عمر قال: لما كان يوم بدر وأخذ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء ، أنزل الله عزّ وجلّ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض} إلى قوله {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} من الفداء {عَذَابٌ عَظِيمٌ} ."
ثم أحل الغنائم.
وذكر القُشيرِيّ أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله ، إنه أوّل وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحبّ إليّ.
والإثخان: كثرة القتل ؛ عن مجاهد وغيره.
أي يبالغ في قتل المشركين.
تقول العرب: أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ.
وقال بعضهم: حتى يُقهِر ويَقْتُل.
وأنشد المفضّل:
تصلّي الضحى ما دهرها بتعبّد ...
وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا
وقيل:"حتى يُثْخِنَ"يتمكّن.
وقيل: الإثخان القوّة والشدّة.
فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فُودُوا ببدر كان أولى من فدائهم.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كفروا واشتدّ سلطانهم أنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا في الأسارى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: 4] على ما يأتي بيانه في سورة"القتال"إن شاء الله تعالى.
وقد قيل: إنما عُوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملّك.
وذلك كله عظيم الموقع ، فكان حقهم أن ينتظروا الوَحْيَ ولا يستعجلوا ؛ فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجّه عليهم ما توجّه.
والله أعلم.