وعلاقتهم بالكفار. وكل ما يصح في مسألة التوارث أنها داخلة في عموم هذه الولاية.
وقال الأصم: الآية محكمة ، والمراد: الولاية بالنصرة والمظاهرة ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا هذا هو الصنف الثالث من أصناف المؤمنين ، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم - وهي دار الحرب والشرك - بخلاف من يأسره الكفار من أهل دار الإسلام ، فله حكم أهل هذه الدار.
وكان حكم غير المهاجرين أنه لا يثبت لهم شيء من ولاية المؤمنين الذين في دار الإسلام ، إذ لا سبيل إلى نصر أولئك لهم ، ولا إلى تنفيذ هؤلاء لأحكام الإسلام فيهم. والولاية حقّ مشترك على سبيل التبادل ، ولكنّ اللّه خص من عموم الولاية المنفية الشامل لما ذكرنا من الأحكام شيئا واحد فقال: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فأثبت لهم حق نصرهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دينهم.
وإن كانوا هم لا ينصرون أهل دار الإسلام لعجزهم ، ثم استثنى من هذا الحكم حالة واحدة. فقال: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني إنما يجب عليكم أن تنصروهم إذا استنصروكم في الدين على الكفار الحربيين ، دون المعاهدين ، فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم ، لأنّ الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود.
وهذا الحكم من أركان سياسة الإسلام الخارجية العادلة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا تخالفوا أمره ، ولا تتجاوزوا ما حدّه لكم ، كيلا يحل عليكم عقابه.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في النصرة والتعاون على قتال المسلمين ، فهم في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين ، وإن كانوا مللا كثيرة يعادي بعضهم بعضا. وقيل: إنّ الولاية هنا ولاية الإرث كما قيل بذلك في ولاية المؤمنين فيما قبلها ، وجعلوه الأصل في عدم التوارث بين المسلمين والكفار. وفي إرث ملل الكفر بعضهم لبعض.
وقول بعض المفسرين: إن هذه الجملة تدل بمفهومها على نفي المؤازرة والمناصرة بين جميع الكفار وبين المسلمين ، وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب غير مسلّمين ، لأنّ صلة الرحم عامة في الإسلام للمسلم والكافر كتحريم الخيانة. والأصح عند الشافعية أنّ الكافر يرث الكافر ، وهو قول الحنفية والأكثر ، ومقابله عند مالك وأحمد. وعنهما التفرقة بين الذمي والحربي ، وكذا عند الشافعية.
وعن أبي حنيفة «1» لا يتوارث حربي من ذمي ، فإن كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة.
(1) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ط 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1990 (2/ 610) .