وكأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لك: أنك حين تعطي العفو تأخذ الخير من خلاله . ودائماً أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت حين تدخل إلى منزلك وتجد ابناً لك قد أساء إلى أخيه فيتجه قلبك وحنانك إلى المظلوم . ونحن عيال ربنا ، فإن ظلم واحدٌ آخرَ ، فالظالم بظلمه يجعل الله في جانب المظلوم ، ولذلك يحتاج الظالم إلى أن نحسن إليه حيث كان سببا في رعاية الله لنا فنفعل معه مثلما فعل سيدنا حسن البصري عندما قيل له: إن فلاناً اغتابك بالأمس . ونادى سيدنا حسن البصري الخادم وقال له: جاءنا طبق من باكورة الرطب . اذهب به إلى فلان - وحدد للخادم اسم من اغتابه - وتعجب الخادم: كيف تبعث بالرطب إليه وهو قد اغتابك؟ فقال: أفلا أحسن إلى من جعل الله بجانبي ، قل له:"يقول لك سيدي بلغه أنك قد اغتبته فأهديت إليه حسناتك ، وهو أهداك رطبه". {خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}
وتتناول الآية الكريمة الأمر بالعرف:
والعرف هو السلوك الذي تعرف العقول صوابه ، وتطمئن إليه النفوس ، ويوافق شرع الله ، ونسميه العرف ؛ لأن الكل يتعارف عليه ، ولا أحد يستحيي منه ، لذلك نسمع في شتى المجتمعات عن بعض ألوان السلوك: هذا ما جرى به العرف . وما يجري به العرف عند المجتمعات المؤمنة يعتبر مصدراً من مصادر الأحكام الشرعية .
وخير مثال على ذلك: أننا نجد الشاب لا يخجل من أن يطرق باب أسرة ليطلب يد ابنتها ، لأن هذا أمر متعارف عليه ولا حياء منه ، بينما نجد المجتمع المسلم يستحي أن يوجد بين أفراده إنسان يزني ، والغاية من الزنا الاستمتاع ، والغاية من طلب يد الفتاة هو الاستمتاع ، لكْن هناك فارق كبير بين متعة يحرمها الله عز وجل ، ومتعة يٌحلّها الله تعالى .
وفي نهاية الآية يقول الله تعالى: {... وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين}